الجصاص

222

أحكام القرآن

في يده ملتقطا لا يخرج المدعي من أن يكون مدعيا فلا يصدق على دعواه إلا ببينة ، إذ ليست له يد والعلامة ليست ببينة ، لأن رجلا لو ادعى مالا في يد رجل وأعطى علامته والذي في يده غير ملتقط لم يكن ذكر العلامة بينة يستحق بها شيئا . وأما قول أصحابنا في الرجلين يدعيان لقيطا كل واحد يدعي أنه ابنه ووصف أحدهما علامة في جسده ، فإنما جعلوه أولى استحسانا ، من قبل أن مدعي اللقيط يستحقه بدعواه من غير علامة ويثبت النسب منه بقوله وتزول يد من هو في يده ، فلما تنازعه اثنان صار كأنه في أيديهما لأنهما قد استحقا أن يقضى بالنسب لهما لو لم يصف أحدهما علامة في جسده ، فلما زالت يد من هو في يده صار بمنزلته لكان في أيديهما من طريق الحكم جميعه في يد هذا وجميعه في يد هذا ، فيجوز حينئذ اعتبار العلامة . ونظيره الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت ، لما كان لكل واحد يد في الجميع اعتبر أظهرهما تصرفا وآكدهما يدا ، وكذلك المستأجر له يد في الدار والمؤاجر أيضا له يد في جميع الدار ، فلما استويا في اليد في الجميع كان الذي تشهد له العلامة الموافقة لصحة دعواه أولى ، وكان ذلك ترجيحا لحكم يده لا أنه يستحق به الحكم له بالملك كما يستحق بالبينات . فهذه المواضع التي اعتبروا فيها العلامة إنما اعتبروها مع ثبوت اليد لكل واحد من المدعيين في الجميع ، فصارت العلامة من حجة اليد دون استحقاق الملك بالعلامة . وأما المدعيان إذا كان في أيديهما شئ من المتاع وأحدهما ممن يعالج مثله وهو من آلته التي يستعملها في صناعته ، فإنه معلوم أن في يد كل واحد منهما النصف وأن ما في يد هذا ليس في يد الآخر منه شيء ، فلو حكمنا لأحدهما بظاهر صناعته أو بعلامة معه لكنا قد استحققنا عليه يدا هي له دونه ، فهما فيه بمنزلة رجل إسكاف ادعى قالب خف في يد صيرفي فلا يستحق يد الصيرفي لأجل أن ذلك من صناعته ، ومسألة اللقطة هي هذه بعينها ، لأن المدعي لا يد له وإنما يريد استحقاق يد الملتقط بالعلامة ، ومعلوم أنه لا يستحقها بالدعوى إذا لم تكن معه علامة ، فكذلك العلامة لا يجوز أن يستحق بها يد الغير . وأما ما روي في حديث زيد بن خالد أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال : " اعرف عقاصها ووعاءها ووكاءها ثم ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها " ، فإنه لا دلالة فيه على أن مدعيها يستحقها بالعلامة ، لأنه يحتمل أن يكون إنما أمره بمعرفة العقاص والوعاء والوكاء لئلا يختلط بماله وليعلم أنها لقطة ، وقد يكون يستدل به على صدق المدعي فيسعه دفعها إليه وإن لم يلزم في الحكم ، وقد يكون لذكر العلامة ولما يظهر من الحال تأثير في القلب يغلب في الظن صدقه ولكنه لا يعمل عليه في الحكم . وقد استدل يعقوب عليه السلام على كذب إخوة يوسف بأنه لو أكله الذئب لخرق